رسائل الموت… الاستهداف الممنهج يتسبب بحملة هجرة لنشطاء العراق

هذا مقتطف من مقال نشر على درج بدعم أضواء. اضغط هنا لعرض المقالة الكاملة.

عفاف الحاجي – صحافية سورية

منذ الاحتجاجات الشعبية التي خلفت وراءها 565 قتيلاً وفقاً لإحصاءات الحكومة العراقية وآلاف الجرحى، لم تتوقف عمليات الاغتيال والاستهداف المباشر لنشطاء ومنتقدين في أنحاء البلاد…

“اليوم الميليشيات أقوى من الأمن، أقوى من الدولة. ترى بس العلم موجود، العلم العراقي. اليوم الميليشيات أعلى سلطة، ويمتلكون قوة السلاح. يمتلكون ألوية تابعة للحشد الشعبي”.

هذه النتيجة التي توصل إليها جاسب حطاب بعد مرور فترة عام ونصف العام تقريباً أمضاها بالسعي وراء معرفة مصير ابنه الناشط والمحامي العراقي المختطف علي جاسب، في مدينة العمارة  (320 كلم جنوب شرقي بغداد). تحوّل أبو علي في هذه المدّة من شاعرٍ شعبي إلى ناشطٍ وأيقونةٍ شعبية لذوي المختطفين والمغيبين قسراً والمُغتالين في البلاد.

ظهر أبو علي في مختلف القنوات التلفزيونية وطرق جميع أنواع الأبواب الممكنة الرسمية منها وغير الرسمية، وكان ينقل للمنصات الإعلامية كل خيطٍ جديد توصل إليه، مطالباً على الدوام بأيّ معلومة تخصّ ابنه وإن كانت موضع القبر، وفق تعبيره.

قبل اختطافه، كان علي جاسب حقوقياً متطوعاً للدفاع عن المعتقلين من المتظاهرين لدى السلطات العراقية، وشارك في التظاهرات التي خرجت في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وهي الأسباب التي كان أبو علي يقول إنها وراء اختطاف ابنه. سعى الوالد في رحلةِ بحثٍ دؤوبة لمعرفة الجهة التي اختطفت ابنه، وصرّح لجهات إعلامية عن توصله إلى أن جماعة “أنصار الله الأوفياء” هي المسؤولة، مضيفاً أن حياته نفسها صارت في خطر.  

يتزعم حيدر الغراوي ميليشيا “أنصار الله الأوفياء”، إحدى تشكيلات ميليشيات “الحشد الشعبي” الموالية لإيران، والتي تأسست عام 2014 بعد فتوى من المرجع الشيعي العراقي آية الله علي السيستاني بهدف محاربة “داعش”، ومن ثم صارت تعد تشكيلاً أمنياً رسمياً يخضع لأمرة القائد العام للقوات المسلحة العراقية بموجب قانونٍ أقره البرلمان العراقي عام 2016. 

التقى جاسب رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في أيلول/ سبتمبر 2020 وسلمه ملف ابنه وأسماء المتهمين وما توصل إليه حتى تلك اللحظة، وأتبع ذلك لاحقاً بتحويل الملف إلى بغداد ومتابعة تحريك الرأي العام، حتى إنه لجأ إلى مناشدة البابا فرانسيس عند زيارته العراق للنظر في قضية ابنه. 

في 10 آذار/ مارس 2021، اغتيل الوالد أبو علي على يد شخصين مسلحين يستقلان دراجة نارية في منطقة المعارض التابعة لمدينة العمارة، منهيين بذلك أيقونة عراقية استثنائية وقضيّة مُعلّقة وابناً مُختطفاً لا خبر عنه حتى الآن وعائلتين مفجوعتين.

والدة أبو علي تتحدث لنا عن فقدها وحالها بعد حادثة الاغتيال.
والدة أبو علي تتحدث لنا عن فقدها وحالها بعد حادثة الاغتيال.

كان آخر ما فعله الوالد قبل سويعات من اغتياله، المشاركة في مراسم الذكرى السنوية لمقتل الناشط في التظاهرات عبد القدوس قاسم، والذي قُتل بعد فترة من اختطاف علي جاسب على يد مسلّحين مجهولين أيضاً.

اغتيل الناشط والفنان عبد القدوس قاسم والمحامي كرار عادل الناشط في تظاهرات محافظة ميسان في واقعةٍ واحدة على مقربةٍ من المنطقة الصناعية في مدينة العمارة، وتداول عراقيون بعد مقتلهما صوراً ومحادثات تبين صداقتهما مع مُغتالين آخرين مثل الناشط المدني والكاتب أمجد الدهامات (اغتيل في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 برصاص سلاح كاتم للصوت) والناشط وأيقونة الحراك الاحتجاجي صفاء السراي (قُتل على يد قوات الأمن العراقية في 29 تشرين الأول 2019 قرب ساحة التحرير في العاصمة بغداد). 

هكذا تبدو عيّنة من المشهد العراقي الحاليّ، حيث يُغتال والد ناشطٍ مختطفٍ وهو عائدٍ من عزاءٍ نشطاء آخرين. تختلف وقائع الاغتيالات وأزمنتها ومواقعها لكن ما يجمع الأسماء المذكورة وسواها، نشاطها المدنيّ ومجاهرتها بمعارضة الوضع السائد في العراق وتحكم الميليشيات بالمشهد الأمني.

منذ الاحتجاجات الشعبية التي خلفت وراءها 565 قتيلاً وفقاً لإحصاءات الحكومة العراقية وآلاف الجرحى، لم تتوقف عمليات الاغتيال والاستهداف المباشر لنشطاء ومنتقدين في أنحاء البلاد، وهو ما دفع بكثيرين إلى الفرار من العراق أو اللجوء إلى كردستان العراق التي تتمتع بحكم ذاتي في شمال البلاد، إلا أن لا أرقام رسمية حتى الآن في هذا المجال. 

وكانت بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) وثقت 48 محاولة أو حادثة اغتيال لمحتجين أو منتقدين من 1 تشرين الأول 2019 لغاية 15 أيار/ مايو 2021، وهي “في الغالب حوادث إطلاق نار يقوم بها عناصر مسلحة مجهولة الهوية”، وفقاً لتقرير البعثة المعنيّ بتطورات التظاهرات في العراق والمنشور في أيار 2021. 

وتقول البعثة إن هذه المحاولات أسفرت عن وفاة ما لا يقلّ عن 32 شخصاً وإصابة 21 آخرين، مضيفةً أنه “وعلى رغم عمليات إلقاء القبض في ما يخص الاغتيالات، لكن لا يبدو أن أي قضية قد تجاوزت مرحلة التحقيقات”. 

 يضاف ذلك إلى بقاء ما لا يقل عن 20 ممن اختطفتهم “عناصر مسلحة مجهولة الهوية” في عداد المفقودين، في غياب أيّ جهد واضح لمعرفة مكانهم وإطلاق سراحهم أو الإقرار بمصيرهم. 

وكانت “مفوضية حقوق الإنسان العراقية” أعلنت في كانون الثاني/ يناير 2020- أي خلال أربعة أشهر من الاحتجاجات فقط- عن توثيقها “72 حالة ومحاولة اختطاف طاولت متظاهرين وناشطين ومدونين، منذ اليوم الأول للتظاهرات”، وذلك وفقاً لما أورده عضو المفوضية فاضل الغراوي في البيان المذكور.