“صبية الموت” في سوريا: العبور من “أشبال الخلافة” الى الميليشيات الإيرانية

وليد النوفل

هذا مقتطف من مقال نشر على درج بدعم أضواء. اضغط هنا لعرض المقالة الكاملة.

يكشف هذا التحقيق عمليات تجنيد الأطفال السوريين من قبل المليشيات الإيرانية وتلك التي تتلقى دعماً إيرانياً، وعمليات التضليل الإعلامي التي يتم استخدامها من قبل هذه المليشيات والمؤسسات الثقافية والدينية الإيرانية لهذا الغرض.

“لا نريد أموالهم أو العمل معهم، من سرق ولدي مني، لا يخاف الله”، بهذه الكلمات تلخص أم عباس قصتها، راجية أن يكون ولدها، عباس حيدر (اسم مستعار- 16 عاماً)، ما يزال على قيد الحياة.

ففي شباط/فبراير 2021، اختفى عباس، المعيل الوحيد لأمه وإخوته الثلاثة الأصغر منه سناً ( البالغين من العمر 7و12و14 عاما)، لم تترك العائلة مكاناً في محافظة دير الزور شرق سوريا إلا وبحثت فيه عن ابنها، بدءاً من مكان عمله في بيع الدخان والمازوت في شوارع قريته الصغيرة غرب دير الزور، وصولاً إلى المخافر والمشافي وحتى في صفوف المليشيات والفصائل العسكرية السورية والإيرانية في المنطقة، إلا إنها لم تعثر عليه.

بعد مضي شهرين على اختفائه، عاد عباس إلى أمه، بـ”وجه شاحب، كأنه وجه ميت”، وهيئة لا تبدو هيئته التي اعتادت رؤيته عليها لستة عشر عاماً. عرفت العائلة أن ولدها التحق بحركة “النجباء” العراقية، التي تدين بالولاء للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وتمتلك علاقات وطيدة مع “حزب الله” اللبناني، ويعمل قسم من عناصرها في الأراضي السورية.

خبر الطفل والدته أنه كان في دورة عسكرية مع “النجباء”، ومن ثم أعطاها مبلغ 175 ألف ليرة سورية (53 دولار أميركي، بحسب سعر الصرف البالغ 3,340 ليرة للدولار الواحد في السوق الموازية)، حصل عليها لقاء إكماله فترة التدريب التي امتدت لشهرين. وبانتهاء الدورة العسكرية أصبح الطفل مجنداً رسمياً في “النجباء”، وبدأ يتقاضى راتباً شهرياً قدره 300 ألف ليرة (90 دولار).

وبحسب ما قالته أم عباس  لمعد التحقيق في تسجيلات صوتية عبر تطبيق “واتساب”، بأن هذه الدورة القصيرة، كانت كفيلة بتغيير سلوك طفلها، إذ أصبح يمتنع عن الكلام، فلا يعطيها تفاصيل عن عمله، وأين يذهب، وماذا يفعل، تغيرت كل حياته وتغير هو بشكل كبير: “لم أعرف إذا كان هذا طفلنا أم لا، تغير من القاع للسما”. مضيفة “لم يعد يسمع كلامي، وأصبح خائفا دائماً من شيء لا أعلمه”.

من جهة أخرى، سرعان ما بدأت ملامح الطفل الخارجية بالاختلاف، إذ أصبح يقلدّ عناصر المليشيات العراقية والأفغانية في لباسه ومظهره: “حينما شاهدت ولدي لأول مرة بدا كمقاتل عراقي أو أفغاني من المقاتلين الموجودين بمنطقتنا، حيث تغير شكله تماما”، تؤكد أم عباس.

تتهم الأم أعضاء من “النجباء” بأنهم “لعبوا بعقل” ولدها: “أغروه بالمصاري، وأنهم سوف يشترون له كل ما يريد، وسيزوجونه، هم يعرفون أن وضع العائلة صعب جداً وأن المعيشة غالية، لكن نحن لا نريد أموالهم أو العمل معهم”.

بعد شهرين من انتسابه رسمياً لـ”النجباء” اختفى الطفل من جديد، وعادت الأم للبحث عن نجلها مرة أخرى، وحينما سألت مسؤولين في الحركة عن طفلها أخبروها أنه وقع أسيراً لدى تنظيم الدولة (داعش) في إحدى العمليات العسكرية، وأنهم يفاوضون لإستعادته.

بعد أسابيع، قررت حركة “النجباء” صرف راتب قدره 50 ألف ليرة (15 دولار) شهرياً للعائلة، واعتبار طفلها شهيداً، لكن ذلك لم يقنع أم عباس، التي لا تزال تبحث عن ولدها، مُطالبة بجثته أو شيئا من ملابسه يثبت أن ابنها قد مات. إلا أنهم لم يعطوها شيئا مما طلبته، وحينما يزور أعضاء من “النجباء” منزل أم عباس لتقديم الراتب لها، وتعيد سؤالهم عن ولدها ، “يصرخون ويغضبون من سؤالي”. 

عباس هو واحد من 78 طفلاً على الأقل تم تجنيدهم ضمن ميلشيات إيرانية أو مدعومة من قبل إيران، استطاعت الشبكة السورية لحقوق الإنسان توثيقهم خلال الفترة الممتدة من مطلع العام 2014 وحتى آب/أغسطس 2021، قتل منهم 23 طفلاً أثناء اشتراكهم في الأعمال القتالية وعمليات القصف والتمشيط، وبشكل خاص في البادية السورية. في حين يقدّر مجموع الأطفال المجندين حالياً وبشكل رئيسي في لواء “فاطميون” الأفغاني، ولواء “القدس” ، بقرابة 850 طفلاً، بحسب مدير الشبكة فضل عبد الغني.