على الرصيف.. كيف استخدمت إيران بسطات الكتب لتدخل إلى ديرالزور

هذا مقتطف من مقال نشر على عين المدينة بدعم أضواء. اضغط هنا لعرض المقالة الكاملة.

أيهم الطه

في يوم ربيعي من عام 2001، لاحظ  المارة وجود بسطة كتب على زاوية الجسر القديم عند مدخل حي الحويقة في دير الزور، يجلس قربها شاب ريفي الملامح، أسمر في بداية العقد الثالث من عمره، مربوع القامة، بشارب خفيف وثياب بسيطة، يتحدث بهدوء ويتودد إلى زوار بسطته.

بأسعارها الرخيصة افترشت كتب وروايات منوعة الرصيف، ما جعلها قبلة للطلاب الذين يمرون قربها يومياً في طريقهم إلى مدارسهم وجامعاتهم، فضلاً عن البيع بالدين والتقسيط الذي أتاحه صاحبه للعديد من الزبائن.

استقدمت بسطة عبدالله مجموعات الكتب من دمشق وبيروت وبغداد، منها السياسية والأدبية والدينية المثيرة للجدل، حتى أن بعضها كان ممنوعاً من التداول في سوريا.

وبهذا لم يمضِ وقت طويل حتى تحولت هذه البسطة إلى أشهر مراكز بيع الكتب في المدينة، وبدأت الأسئلة تدور حول صاحبها (عبد الله) القادم من قرية حطلة القريبة، الذي لم يسبق له ممارسة أي نشاط تجاري أو ثقافي سابقاً.

لم تعترض البلدية على بسطة عبد الله التي كانت تحتل مساحة الرصيف كاملة، رغم مصادرتها بضائع البسطات التجارية الأخرى وفرض مخالفات مالية على أصحابها؛ مثل بسطة الستيني جاك عبدالله صاحب مكتبة الكواكبي، الذي حاول بيع بعض الكتب فيها، بعد إغلاق مكتبته بالشمع الأحمر بذريعة الضرائب، ولكن بسبب توزيعها مقالات عن الاستبداد واتخاذ المكتبة مرصداً لحقوق الإنسان  منذ تسعينيات القرن الماضي.

تعرض جاك نتيجتها للملاحقة من قبل الأمن الذي خرّب بسطته عدة مرات وصادر ما فيها، واعتقله أكثر من مرّة آخرها عام 2014، ليقضي نحبه تحت التعذيب في سجون الأمن العسكري في العام اللاحق.

قُتل جاك في الفرع ذاته الذي كان يتواصل معه عبدلله، بحسب رائد، وهو اسم حركي لأحد العاملين السابقين مع جهاز الأمن العسكري، 40 عاماً، فضل عدم ذكر اسمه. وأشار رائد إلى أن عبدالله كان يتردد على مقر الأمن العسكري باستمرار، مؤكداً أن “علاقات عبد الله مع الأمن السوري والإيرانيين أمنّا له تغطية ليمارس نشاطه بحرية”.

 الكتب.. مدخل النفوذ الإيراني:

ورغم كونها الأشهر، إلا أن بسطة عبدالله هي واحدة فقط من أكثر من سبع بسطات انتشرت في مناطق مختلفة من المدينة منذ عام 2001، يبيع فيها الكتب شبان تتشابه أوصافهم مع عبدالله، ومروا بتحولاته ذاتها.

إحداهن قرب الحديقة المركزية، وأخرى عند مبنى جريدة الفرات، وثالثة عند دوار التموين قرب مدرسة غسان عبود الإعدادية والثانوية للبنات، والتي تجاور أيضاً قسم الشرطة الغربي، وصاحبها “أبو أحمد”.

ظهر الرجل الأربعيني أبو أحمد فجأة مع بسطته عند الدوار، كان يرتدي دائماً ثوباً واسعاً يُسمعى محلياً بالـ”كلابية” مع قبعة صوفية، له لحية بيضاء، ويُعرّف عن نفسه بأنه من “آل البيت” كونه ينتمي إلى عشيرة “البو بدران”، وهي إحدى العشائر الكبيرة المُنتشرة شرق سوريا والعراق، ويعود أفرادها بنسبها إلى الهاشميين (آل البيت).

لطالما وزّع أبو أحمد كتباً دينية صغيرة بشكل مجاني، وضمّت بسطته بشكل رئيسي كتباً دينية عن المذهب الاثني عشري، أحد أكبر المذهب الإسلامية الشيعية من حيث عدد أتباعه.

أما البسطة المجاورة للحديقة المركزية فصاحبها شاب عشريني عُرف باسم عبد الحكيم، وقد افتتح في ما بعد مكتبة “بحر العلوم” قرب مسجد أبو عابد.

عن هذه البسطات تقول رنيم ديواني من أهالي حي الحويقة، “هي جزء من أدوات التدخل الثقافي لتضليل الديريين، وتشكيل وعي جديد يتناسب مع المصالح الإيرانية في المنطقة، فهي تحقق مصلحة ثقافية وأمنية. من جهة هي ترصد الناشطين وتجمع المعلومات عنهم وتتابع كل نشاط في مناطق تواجدها، ومن جهة ثانية تتلاعب بالناس البسطاء وتحاول جرهم إلى اتجاه فكري معين، وهذا ما دفع بعض المعارضين إلى إحراق عدد من هذه البسطات أواخر عام 2011، منها بسطات كل من عبد الله وعبد الحكيم إضافة إلى مكتبته”.

كذلك أكدت موظفة سابقة في مبنى محافظة ديرالزور وجود قرار أمني صادر عن فرع الأمن العسكري عام 2002 بعدم التعرض لهذه البسطات وتركها تزاول نشاطها، ووصلت نسخة من هذا القرار إلى دائرة محافظة دير الزور والبلدية كذلك.

بالإضافة إلى البسطات شهدت ديرالزور أيضاً توزيع الكتب الدينية الشيعية بشكل مجاني في عدد من الحسينيات الصغيرة التي افُتتحت داخل المدينة بعد عام 2006، و كانت عبارة عن غرف صغيرة معظمها يمارس نشاطه بشكل غير ظاهر، انتشرت في عدة أحياء منها حي الجورة، حي القصور والموظفين، وحي الجبيلة، وحي الحويقة، وتقام فيها بعض الشعائر الشيعية مثل المجالس العاشورائية.

كذلك ظهرت ثلاث مكتبات تروّج للكتب والمراجع الشيعية، ويعرف أصحابها بمحاولتهم نشر التشيع وتأييدهم للثورة الإيرانية وحزب الله، وهي مكتبة “الأنوار” التي كانت ترفع صورة الخميني على أحد جدرانها، إضافة إلى صور عباس الموسوي الأمين السابق لحزب الله، وحسن نصر الله الأمين العام الحالي.

إلى جانب مكتبة الأنوار افتتحت مكتبة “بحر العلوم” التي كانت تبيع أعلام حزب الله وتوزع منشورات مرجعه الروحي محمد حسين فضل الله بشكل مجاني، إضافة إلى مكتبة “آل البيت” في حي الجورة.

 بائعو الكتب البسطاء.. جنود إيران الأوفياء:

حسب عبد العزيز الأحمد بيك وهو مقدّم برامج عن تاريخ الدير على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن “بائعي البسطات شكلوا مرحلة من التدخل الإيراني الناعم في ديرالزور، تختلف عن المراحل التي سبقتها في الثمانينات والتسعينات”.

ويصف البيك مرحلة التدخل الإيرانية هذه بقوله: “استفادت من تجربة سابقتها وكانت أكثر مرونة، وأقل حدة في نبرة الخطاب الديني المطروح، كما أنها بدت منفتحة على الجميع، ورموزها كانوا جميعاً من الشباب في العشرينات والثلاثينات، ينتمون إلى طبقات فقيرة بعيدة عن العمل الدعوي”.

يرى البيك أنه “تم تطوير شخصيات هؤلاء الشبان وتقديمهم بشكل متدرج، وربطتهم بالأمن صلات واضحة، وهم يختلفون عن رجالات المرحلة السابقة مثل ياسين المعيوف والرجا، الذين لعبوا دور شيوخ الدين الشيعة فجأة وزادت أموالهم واستثماراتهم دون سابق إنذار”.

يتحدث البيك عن كون ياسين المعيوف وحسين الرجا أبرز الشخصيات التي روجت للتشيع منذ الثمانينات، قد أصبحا فجأة أثرياء وشرعا في بناء الحسينيات وجمع الأنصار، إضافة إلى افتتاح مشاريع اقتصادية وتجارية، وتأسيس جمعيات شيعية أو فروع لجمعيات سورية شيعية مثل جمعية “الإمام الرضا”. كما ألّف المعيوف كتابه ’’ياليت قومي يعلمون’’ في أواخر تسعينيات القرن الماضي، دون أن يُعرف عنه العمل في المجال الفقهي أو الثقافي أو الديني، ويدور الكتاب حول “أحقية التشيع وأهميته في تصحيح عقائد أهل المنطقة”.

ويؤكد أحمد السلامة وهو محقق وثائق تاريخية، ما ذهب إليه البيك في أن تأثير الرجالات السابقين لم يكن كبيراً، فيقول “منذ تسعينيات القرن الماضي تم تخصيص مرتبات تصل إلى حوالي ١٠٠ دولار لكل فرد يعتنق المذهب الشيعي، إلا أن الانتشار كان محدوداً، فاستغلت إيران العاملين البسطاء لتحقيق أهدافها السياسية”.

ويضيف السلامة الذي أصدر ثلاثة أجزاء من كتاب “لواء الزور في الوثائق العثمانية”، بأن “نشر حالة التشيع الذي كانت تعمل عليه البسطات والمكتبات كان وراءه دعم إيراني، وله تغطية من السلطة التي سهلت عمله ولم تعترض سبيله. عمل البسطات كان ممنهجاً ومنظماً، ومتمماً لعمل المستشارية الثقافية الإيرانية في دمشق في المناطق البعيدة عن (تأثيرها المباشر)”.

أما الآن، وبعد كل الأحداث التي مرّت بها المدينة، وفي بداية العام الماضي، ظهرت بسطتان تبيعان بعض الكتب بشكل متقطع في حي الجورة مع عناوين قليلة وبعض الكتب الدينية الشيعية، يشرف عليها شابان من الريف لا يُعرف عنهما أي شيء.

لكن “إيران لم تعد بحاجة لهذه البسطات وأصحابها” بحسب السلامة، فهي اليوم موجودة على الأرض تمتلك مؤسسات كاملة”، مثل “المركز الثقافي الإيراني” في حي القصور، والذي تأسس في بداية عام 2018، وأيضاً المعاهد التعليمية مثل معهد “النور الساطع” الذي يقوم بنشاطات ثقافية متنوعة بينها تعليم اللغة الفارسية.

ومع انتقال التأثير الإيراني إلى مرحلة أخرى، اختفى رجالاته السابقين من المشهد، فغاب عبد الحكيم دون أن يعرف مصيره، وتوفي أبو أحمد في ديرالزور أثناء حصار المدينة من قبل عناصر داعش. أما عبدالله فقد اختفى بعد  الثورة السورية لسنوات، إلى أن ظهر مؤخراً على شاشة قناة الميادين بثيابه البسيطة ضمن تقرير إخباري وهو يتحدث عن حال الثقافة في سوريا، اشتكى فيه من تراجع القراءة وتدهور الثقافة بسبب الحرب.