هل يساهم الإعلام المحلي في العراق بالعنف الموجه ضد مجتمع الميم؟

’’شطالع بيدنا نسوي وإحنا حتى ما نقدر ندافع عن حالنا ’’ بهذه الكلمات يصف علي -أسم وهمي – أحد الشباب العراقيين من مجتمع الميم حالة العجز وانعدام قدرة الدفاع عن الذات التي يعاني منها مجتمع الميم (المثليين الجنسيين) العراقي، الذين يعتبرون أنفسهم كأحد أكثر الفئات ضعفا وتهميشا واستهدافا في المجتمع العراقي، ويتهمون وسائل الإعلام، بعدم مراعاة التبعات السلبية لما تبثه سواء على المثليين أنفسهم أو على تعامل المجتمع المحيط معهم.

يعمل علي كمدرس في إحدى المدن العراقية ويعيش في وضع مادي مستقر ويتمتع بمظهر رجولي كما يصف نفسه، لكنه مع ذلك حاول الانتحار أكثر من مرة بسبب الضغوط التي تحيط به، وحالة انعدام الأمان التي يشعر بها والتي يشكل الإعلام المحلي جزءا منها على حد تعبيره ويقول إن “الإعلام هو طبقة أخرى تسحق المختلفين وتحارب الحقوق والحريات الإنسانية المشروعة”.

يرى علي أن “المجتمع الكويري” العراقي يعاني من “حرب شرسة يخوضها السياسيون ورجال الدين وجزء من المجتمع” وأن “الجميع يستخدم الوسائل الإعلامية سواء التقليدية أو السوشال ميديا للتنمر على المثليين والسخرية منهم وفي أحيان كثيرة لتشهير بهم والإساءة لهم” حسب تعبيره.

ويستعمل ناشطو ومثقفوا “الكوير” الكلمة للدلالة على جزء من مجتمع وتأكيد هويته الاجتماعية المختلفة عن الهوية الاجتماعية لمثليّ الجنس، وهي كلمة مأخوذة من كلمة Queer  بالإنكليزية.

’’أشعر بالقرف من البرامج الإعلامية المحلية  التي تتناول مجتمع الميم في العراق وغالبا ما أغير القناة أو أطفأ الجهاز عندما أشاهد أحدها’’ يقول علي واصفا  الصحفيين الذين يتناولون موضوع مجتمع الميم بالجهل وانعدام المهنية والتحيز.

ويقول شاب آخر طلب عدم ذكر اسمه، أن “السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعا في عدد البرامج العراقية التي تتناول مجتمع الميم خاصة بعد أن أصبح له أبعاد سياسية ودينية’’ ويضيف أن “الكثير من البرامج توضع في سياق تشويه صورة المثليين سواء عبر وسمهم بأقذع الصفات أو عبر إطلاق الشتائم أو حتى التهديد المباشر” وهو ما ينعكس على نفسية الكثير من أبناء هذه الفئة الضعيفة أساسا في المجتمع والتي لا تجد من تلجئ اليه ليساعدها ولا قوانين لحمايتها، على حد تعبيره.

٩٦ بالمئة من المثليين في العراق تعرضوا لانتهاكات

 بحسب أمير عاشور الناشط العراقي والمدير التنفيذي لمنظمة (كوير عراق ) في تصريح صحفي أدلى به لموقع بيت الإعلام العراقي فإن ” ٩٦٪ من أفراد مجتمع الميم داخل العراق قالوا إنهم تعرضوا لنوع من أنواع الانتهاك سواء من العائلة والمحيط الاجتماعي أو من السلطات الرسمية وهذه الانتهاكات تصل إلى حد العنف والقتل والخطف والملاحقة’’.

ويشير أمير إلى أن غالبية وسائل الإعلام العراقية تروج لرهاب المثلية (هوموفوبيا ) وأنها ’’ تتبنى التحريض المباشر ضد المثليين، وتستخدم عبارات تحقير مهينة بحقهم’’.

ومنظمة (عراق كوير) تأسست عام 2015 كأول منظمة عراقية تهتم بشؤون المثليين وتعمل على تعزيز حقوقهم كما تعرف عن نفسها، وهي تصدر تقارير دورية عن أوضاع مجتمع الميم العراقي وتنشر العديد من المواد عن مجتمع الميم باللغات العربية والكردية والإنكليزية.

وفي تقريرها الأخير عام ٢٠٢٠ الذي صدر حول خطاب الكراهية ضد مجتمع الميم في العراق نوهت المنظمة إلى دور وسائل الإعلام العراقية في نشر رهاب المثلية، ونوهت بوجود تغطية منحازة تعزز الأفكار التمييزية ضد مجتمع الميم تقوم على تقديم معلومات خاطئة ومضللة.

كما أوضح التقرير أن التغطية الإعلامية المعادية للهويات المتنوعة تقدم خطاب كراهية ضد أفراد مجتمع الميم وتخنق مسيرتهم نحو المساواة والإلهام، وتشجع العنف وردود أفعال سلبية ضدهم، خاصة مع استقاء أكثر من 80% من الجمهور العراقي آرائهم من الوسائل الاعلامية وخاصة المرئية منها.

وبحسب التقرير فالتغطية الإعلامية أصبحت أكثر تأثيرا في الرأي العام خاصة خلال السنوات 5 الأخيرة بما فيها تشكيل رأي المثلين حول أنفسهم، مشيرا إلى دراسة تم إجرائها في 2018 أوضحت أن 89% من المثليين الذين شملتهم الدراسة أوضحوا تأثير الإعلام السلبي حول استيعابهم لميولهم الجنسية والجندرية.

’’المحتوى الإعلامي العراقي خاصة الرسمي موجه لتدمير المثليين نفسيا فهو يشعرهم بالدونية ورفض المجتمع لهم ويصعب عملية تقبلهم لأنفسهم عبر محاولة إقناعهم بأنهم حالات مرضية وأنهم خطر على المجتمع’’ تقول (لين ) اسم وهمي لإحدى العاملات في القطاع الإعلامي العراقي التي تصف شعورها بالخوف لمجرد الخوض في هذا الحديث رغم أنها داخليا تناصر قضايا مجتمع الميم والحريات في المجتمع، موضحة أن الجميع يعرف بأنهم موجودون لكن الجميع يصر على الإنكار، مؤكدة أن هناك ناحية إيجابية في كل ما يحصل قائلة ’’عالقليل ماعد يموتوا عالسكت بدون ما يعرف حدى بيهم’’.

دعوات بالقتل

 أكدت التقارير الحقوقية الصادرة منذ عام 2003  إلى  شيوع جرائم العنف التي تصل إلى القتل ضد من يشتبه في مثليتهم  والتي شاركت فيها مجموعات دينية وفصائل عسكرية تابعة لأحزاب دينية في ما كان يطلق عليه (حملات فرق الموت) ومنهم منظمة بدر التابعة لحزب الدعوة وعصائب أهل الحق وجيش المهدي التابع للزعيم الشيعي مقتدى الصدر، واتهمت التقارير هذه الجماعات بممارسة الانتهاكات من بفتاوى أصدرتها بعض المراجع الدينية منهم رجل الدين العراقي آية الله علي السيستاني الذي أصدر فتوى  تنص على أن “المثلية الجنسية” و”المثلية بين النساء” هما “ممنوعان”  وأن المثليين يجب أن “يعاقبوا” .

وشكلت لجنة برلمانية لحماية ذوي الهويات الجندرية المختلفة  من الأخطار التي تهددهم عقب موجة القتل التي طالت المئات منهم بعد عام 2012.

وكان التقرير حول حقوق الإنسان الصادر من وزارة الخارجية الأمريكية عام 2012 قد أوضح أن موجات من الهجمات العنيفة  في بغداد والبصرة وسامراء وواسط وتكريت استهدفت المثليين فقط  للشك في ميولهم الجنسية.

وبحسب بعض أفراد مجتمع الميم في العراق فقد قتل أكثر من 650 شخص خلال  الفترة من 2004 حتى 2009 وحدها.

وأفادت العديد من التقارير الحقوقية أن المئات من المثليين أو من يشك في مثليتهم بسبب شكلهم أو سلوكهم قتلوا أو تعرضوا للأذى منذ عام 2012 وقسم كبير منهم في مدينة (الصدر).

أحد المراجع الدينية دعا في تسجيل له على إحدى قنوات اليوتيوب إلى التكاتف ضد ما وصفهم “الأنجاس المثليين الذين ينجسون العراق ويدنسون مقدساته وأرضه”، موجها ندائه لحاملي السلاح والإعلاميين بالوقوف ضدهم و’’الضرب بيد الله ’’على حد قوله.

لماذا الإعلام؟

 ويرجع صحفيون عراقيون التجاوزات التي يقول “الكويريون” إنهم يتعرضون لها إلى سياسة الخط التحريري الذي تسير فيه المؤسسة وليس الصحفيين’’، بحسب ما يقول الصحفي سرمد القيسي، الذي قال إن عشرات المؤسسات الإعلامية مدعومة من أحزاب ما وصفها بـ”السلطة ’الفاسدة” على حد تعبيره، وأن الإعلام العراقي الرسمي لا ينصف المجتمعات الضعيفة لأنه وبحسب القيسي ” يسير وفق رؤية حزبية وليست وطنية ولا تريد بناء دولة عدل ومساواة’”.

وهو ما يؤكده الصحفي حيدر انذار مراسل تلفزيون السومرية ووكالة فرانس برس فالإعلام العراقي بحسب إنذار ممثلا بشبكة الاعلام العراقي ذاتها غير مستقل وخضع للمحاصصة السياسية والطائفية تسيطر عليه بعض الأحزاب تروج من خلالها خطاب أو أيدلوجية أو سياسة معينة بما في ذلك الخطاب المميز والتحريضي  ’’ لذا نرى استهداف إعلامي لفئات  ضعيفة ومهمشة في المجتمع العراقي  ولذلك رأينا خطابات تحريض وكراهية على شاشات الإعلام العراقي -ومنها وكالة الأنباء العراقية الرسمية -’’ .موضحا أن التحريض والتمييز شمل الجميع وكان موجه ضد الآخر المختلف سواء دينيا وطائفيا واستهدف حتى النساء والأطفال أو غيرهم.

يقسم انذار المؤسسات الاعلامية في العراق إلى مؤسسات حزبية تابعة لفصائل مسلحة أو أحزاب دينية، وقسم ثاني لا يحرض وإنما يغض النظر عن التجاوزات، وقسم ثالث هم الصحفيون المهنيون لكنهم الحلقة الأضعف في المعادلة الإعلامية العراقية.

فيما أكد أحد العاملين في قطاع الإعلام العراقي رفض ذكر أسمه أن مساحة الحرية في الفضاء الإعلامي العراقي  محدودة بسبب الاستهداف المباشر للصحفيين المستقلين وبعض نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي الذين يحاولون تغيير الرأي العام وتوسيع مساحة الحريات في المجتمع العراقي وبعضهم تعرض للعنف الجسدي المباشر.

ويحيل إنذار إلى تقرير لمؤسسة بيت الاعلام العراقي حول خطاب الكراهية الذي رصد أكثر من 955 مفردة تحرض على العنف بثت في الإعلام العراقي والمنصات المختلفة خلال السنوات الماضية.

وبيت الإعلام العراقي هي مؤسسة عراقية مستقلة ترصد الظواهر الإعلامية في العراق، وإشاعة العنف والكراهية والتحريض على العنصرية وتأسست في  201 .

يتناول تقرير  “قاموس الكراهية” الذي أصدره بيت الإعلام مفردات ومصطلحات الكراهية المتداولة في العراق ويعتبرها أحد المخاطر التي تهدد السلم والأمن المجتمعي في العراق، مشيرا أن وسائل الإعلام قد  شكّلت  عاملا مساهما في تنامي هذا الخطاب في ظل غياب منظومة قانونية ومواثيق مهنية تضع حدا لذلك.

وبحسب نتائج تقرير قاموس الكراهية فإن غالبية عبارات الكراهية أنتجت للمرة الأولى على يد رجال دين متطرفين وسياسيين وشخصيات عامة من خلال برامج التوك شو في القنوات التلفزيونية المحلية والعربية.

يوصي تقرير بيت الإعلام العراقي بوجوب تفعيل مواد دستورية وقانونية سارية خاصة بالتحريض ، ومنها  المادة 7 من الدستور التي تنص على أن “يحظر كل كيان أو نهج يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يحرض أو يمهد أو يمجد أو يروج أو يبرر له”، والمادة 47 من قانون العقوبات التي تنص على “أن من يقوم بدفع شخص ما على ارتكاب جريمة بمثابة الفاعل الأصلي ويعاقب بالعقوبة التي يعاقب بها مرتكب الجريمة بناء على دفع  المحرض، ووفق ذلك يعد فاعلا للجريمة”، ويحث التقرير على سن تشريعات جديدة تتناغم مع التطورات الاجتماعية والتكنولوجية حاثا الادعاء العام العراقي التحرك للجم ومحاسبة هذا التحريض ,كما يحض التقرير على رفع دعاوى قضائية لمقاضاة مرتكبي التحريض ودعاة خطاب الكراهية والعنف في وسائل الإعلام لدى محكمة النشر لخلق رأي عام رادع يحاسب منابر الكراهية.

فيما صدرت دعوات متكررة من صحفيين مستقلين و تجمعات حقوقية وصحفية   لتنظيم “ميثاق إعلامي ملزم” لتحريم  نشر أو بث أي منتجات إعلامية تدعو إلى الكراهية أو تشجع على العنصرية في شتى أشكالها، وإلى احترام هوية الأقليات والجماعات الإثنية أو العرقية الصغيرة في الخطاب الإعلامي ,موصيا  بتدريب الشباب حول قضايا تنمية ثقافة التسامح والتأكيد على ضرورة التمييز بين خطاب الكراهية والرأي .